ملا محمد مهدي النراقي
370
انيس المجتهدين في علم الأصول
ثمّ الإجماع المركّب إن كان قطعيّا لا يجوز مخالفته ، وكذلك إن كان ظنّيّا ولم يوجد له معارض ، وإلّا فيجب الرجوع إليهما وإلى القواعد الترجيحيّة والعمل بما تقتضيه ، فربّما وجب العمل بالمعارض إذا كان الظنّ الحاصل منه أقوى من الظنّ الحاصل منه ، بل ربّما حصل من المعارض ظنّ ولم يحصل منه شيء أصلا ؛ إذ لا يبعد أن يكون على حكم أدلّة متنافية واحد منها قويّ والبواقي ضعيفة فاطّلع أهل عصر - كلّا أو بعضا - على الضعيفة منها دون القويّ ، فعمل بعضهم ببعضها والآخرون بالآخر ، فإذا جاء المتأخّر عنهم ووجد القويّ منها ، يجوز له العمل به وترك الضعيفة ، والأقوال المحدثة من الفقهاء من هذا القبيل . هذا كلّه ما يقتضيه أصولنا « 1 » . وأمّا العامّة فأكثرهم على عدم جواز الفصل مطلقا « 2 » ، وبعضهم على جوازه « 3 » كذلك . [ و ] « 4 » فصّل الحاجبي بأنّه إن رفع مجمعا عليه فممنوع ، وإلّا فلا « 5 » . والأوّل كمسألة البكر ؛ للإجماع على أنّها لا تردّ مجّانا . والثاني كمسألة الامّ ، ومسألة فسخ النكاح بالعيوب الخمسة ، قيل : يفسخ بها كلّها « 6 » ، وقيل : لا يفسخ بشيء منها « 7 » . فالقول بالفسخ في البعض دون البعض إحداث قول ثالث ، إلّا أنّه يجوز ؛ لأنّ القائل به وافق في كلّ مسألة مذهبا فلم يخالف الإجماع . وما يوضحه : أنّه لو قال بعضهم : لا يقتل مسلم بذمّيّ ، ولا يصحّ بيع الغائب ، وقال الآخرون : يقتل ، ويصحّ ، فجاء ثالث وقال : يقتل ، ولا يصحّ ، أو لا يقتل ، ويصحّ لم يخالف الإجماع ؛ لأنّهما مسألتان خالف في إحداهما بعضا ، وفي الأخرى بعضا ، والممنوع مخالفة الجميع فيما أجمعوا عليه . والضابط في معرفة ذلك : أنّ كلّ مسألة اشتملت على موضوع كلّي ، فالحكم فيها إمّا
--> ( 1 ) . راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 154 . ( 2 ) . للمزيد راجع : المحصول 4 : 127 ، ونهاية السؤل 3 : 269 . ( 3 ) . المصدر ، ونهاية السؤل 3 : 269 . ( 4 ) . أضيف للضرورة . ( 5 ) . منتهى الوصول لابن الحاجب : 61 . ( 6 و 7 ) . راجع المغني لابن قدامة 7 : 579 - 581 ، المسألة 5498 و 5499 .